عبد القادر الجيلاني

23

فتوح الغيب

وقد كان يشعر بذلك ويحمد اللّه عليه ، ويفضّله على ما كان يهواه من الخلوة باللّه ، والانقطاع عن الخلق والاشتغال بالعبادات . قال الجبائيّ : قال لي سيّدنا الشّيخ : « أتمنّى أن أكون في الصّحارى والبراري كما كنت في الأوّل ، لا أرى في الخلق ولا يرونني » ، ثمّ قال : « أراد اللّه عزّ وجلّ منّي منفعة الخلق ، فإنّه قد أسلم على يديّ أكثر من خمسة آلاف من اليهود والنّصارى ، وتاب على يديّ من العيّارين والمسالحة « 1 » أكثر من مئة ألف ، وهذا خير كثير » « 2 » . وكان الشّيخ يعتقد - بحقّ - أنّه مكلّف بذلك ، مأمور به ، يقول في المجلس : « سبحان من ألقى في قلبي نصح الخلق ، وجعله أكبر همّي ، إنّي أنصح ولا أريد على ذلك جزاء ؛ أجرتي قد حصلت لي عند ربّي عزّ وجلّ ، ما أنا طالب دنيا ، ما أنا عبد الدّنيا ولا الآخرة ، ولا ما سوى الحقّ عزّ وجلّ ، ما أعبد إلّا الخالق الواحد الأحد القديم ، فرحي بفلاحكم ، وغمّي لهلاككم » « 3 » . * اشتغاله بالعلم ونصرته للسّنّة : ولم يمنعه اشتغاله بالوعظ والإرشاد وتربية النّفوس من الاشتغال بالتّدريس ، ونشر العلم ونصر السّنّة والعقيدة الصّحيحة ، ومحاربة البدع ، وقد كان في العقيدة والفروع متّبعا للإمام أحمد والمحدّثين والسّلف . قال ابن رجب : « كان متمسّكا في مسائل الصّفات والقدر ونحوهما بالسّنّة ، مبالغا في الرّدّ على من خالفها » « 4 » . وقد كان قويّ الاشتغال بالتّدريس ، عالما متفنّنا . قالوا : كان يتكلّم في ثلاثة عشر علما ، وكانوا يقرؤون عليه في مدرسته درسا من التّفسير ، ودرسا من الحديث ، ودرسا من المذهب ، ودرسا من الخلاف ، وكانوا يقرؤون عليه طرفي النّهار : التّفسير ، وعلوم الحديث ، والمذهب ، والخلاف ، والأصول ، والنّحو .

--> ( 1 ) المسالح : الجماعة ، أو القوم ذوو السلاح . ( 2 ) قلائد الجواهر ( ص 22 ) . ( 3 ) الفتح الربّاني ( المجلس السادس ) . ( 4 ) ذيل طبقات الحنابلة .